منوعات

كنت فاكرة إن بنتي بتتعالج من السرطان… لحد ما الدكتور قال الجملة اللي قصرت قلبي نصين.

دخلت المستشفى زي كل مرة، ماسكة إيد بنتي “مَيّة” وقلبي متشدود زي وتر مقطوع، رايحين لجلسة الكيماوي اللي بقت جزء من حياتنا. ريحة المطهرات بقت ملازمة في دماغي، وصوت الأجهزة بقى جزء من يومي.
ومجرد ما دخلنا قسم الأورام، الدكتور وقف قدامي فجأة ومدد إيده كأنه بيمنعنا من الدخول.

بصوت ثابت لكنه كان بيخبي ورَاه مصيبة، قال:

“يا مدام… بنتك مش متشخّصة بسرطان أصلاً.”

الكلمات اتخبطت في وداني زي طلقة.
حسّيت رجلي بتتهز، وإيدي اللي ماسكة بنتي بتتلج.
قلتلّه وانا مش فاهمة ولا قادرة أتنفس:

“تقصد إيه؟… بنتي بتتعالج من شهور!”

اداني ملف بني محطوط عليه لاصق أحمر.
فتحته بسرعة، وأنا عيني مش شايفة غير أرقام وحروف بترقص.

الاسم “مَيّة عمر” مظبوط.
بس تاريخ الميلاد… غلط.
السن… غلط.
العنوان… ما أعرفوش أصلاً.

قلبت الصفحة وقلت بصوت مخنوق:

“ده… ده مش ملف بنتي.”

هزّ راسه وقال بنبرة كلها أسف:

“وهنا المشكلة. الملف ده جاي من شركة التأمين اللي وافقت على جلسات العلاج. حد قدّم بيانات غلط… تحت وثيقتك إنتِ.”

وبعدين قال الجملة اللي حسّيت إنها شقت قلبي من النُص:

“والشخص اللي قدّم البيانات… صرف مبلغ التعويض امبارح.”

الدنيا لفت حواليا.
شهور من الرعب… دموع… شعر بنتي اللي كان بيقع… غثيان… ليالي مرّينا بيها وأنا سهرانة جنب سريرها… كل ده طلع مبني على كذبة.

مسكت دماغي وقلت:

“بس كانت عندها أعراض… سخونية… كدمات… إرهاق.”

رد عليّا الدكتور سامح وقال:

“راجعنا آخر التحاليل والصور. مَيّة ما عندهاش سرطان. وتحاليلها الأولى ما وصلتناش أصلاً… حد اعترض الملف قبل ما يوصل للمستشفى.”

حسّيت ركبي بتتهد.
حد؟
حد يعرفنا؟
حد قريب؟
حد عنده حق الوصول للبيانات؟
مين عنده قلب يعمل كده؟

في الليلة نفسها بدأ التحقيق.
قعدت في مكتب إداري صغير، ومَيّة نايمة جنبي ملفوفة في بطانية جابوهالها الممرضين.
الدكتور سامح ومعاه “ليلى غنيم” مديرة السجلات الطبية كانوا بيقلبوا ملفات الكمبيوتر بسرعة مرعبة.

قالت ليلى:

“يا مدام نجلاء… حد عدّل ملف بنتك قبل ما يدخل قسم الأورام.”

سألت بذهول:

“طب مين يقدر يعمل حاجة بالشكل ده؟”

تبادلوا نظرة تقيلة.
الدكتور قال:

“موظف… سواء من المستشفى أو من شركة التأمين.”

وشوش ناس كتير عدت قدّامي:
الممرضات… موظفين الاستقبال… المحاسبين… فنيين المعمل… كلهم كانوا بيحيّوني وبيتعاملوا معانا كل أسبوع.

فكرة إن حد فيهم استغل مرض بنتي… كسرتني.

ليلى قدرت تفتح سجل الدخول الإلكتروني:
أوقات التعديل… مين دخل على الملف… مين غيّر البيانات.

وفجأة وشها اتقلب.
ولمّا قلبت الشاشة ناحيتي… الاسم ظهر قدّامي زي خازوق في القلب:

“علاء صبري”
موظف تنسيق التأمين في المستشفى…
اللي كان كل مرة يطمني…
اللي كان يرد على بكايا…
اللي سمعت نفسي أكتر من مرة بشكره قدام الناس!

طلع توقيعه الإلكتروني قدّام كل عملية تزوير.

قالت ليلى:

“حوّل مستندات الموافقة… غيّر البيانات الشخصية… وقدّم طلب تعويض باسمك… وخد ٨٥ ألف دولار.”

حسّيت الدم بيغلي في وشي.
راجل خلّى بنتي تاخد كيماوي… لمجرد الفلوس!

الدكتور سامح قال:

“كان واثق إنك مش هتشكي… معظم الآباء بيصدقوا أي تشخيص لما يشوفوا أعراض شبه المرض.”

أغمضت عيني ودموعي نزلت.
مَيّة كانت بتبصلي كل يوم بثقة… وأنا صدقت كلام مزوّر.

الشرطة اتدخلت فورًا.
جُم خدوا أقوالي، وصوروا كل الأوراق.
قالولي:

“القضية فيها احتيال… تزوير طبي… سرقة هوية… إساءة معاملة قاصر.”

لكن رغم كل ده…
أنا ماكنتش حاسة بأي راحة.
ولا شيء هيرجع الأيام اللي ضاعت من بنتي.

بعد ٣ أيام بس…
قبضوا على علاء صبري في شقة إيجار في أكتوبر.
قالولي إنه كان هادي… وبيسأل “هو أنا عملت إيه غلط؟”

كأن بنتي مش إنسانة…
كأن الوجع اللي اتكب علينا كان شوية ورق.

قابلتني وكيلة النيابة، كانت ست قوية اسمها نجلاء عبدالسلام، وقالت:

“معانا قضية محكمة. الراجل ده كان بيستهدف أسر في أضعف لحظاتهم.”

وكنت كل كلمة بتغلي جوا صدري.
افتكرت مَيّة وهي بتتقيأ بعد الجلسة… ماسكة إيدي وتقول:

“ماما… الجلسة هتخلص إمتى؟”

وكل ده…
لإن راجل واحد كان طمعان.

لما أعلنوا إن تحاليلها سليمة…
حضنتها وبكيت زي اللي بيطلع روحها.
كانت بتسألني ليه ببكي…
ومش قادرة أشرح لها ظلم الدنيا.

فضلت شهور بعدها أصحى بالليل مش قادرة أتنفس.
باطمن على نفسها وهي نايمة.
بالوم نفسي على كل ورقة مضيت عليها… كل كلمة صدقتها.

وفي يوم، اتصل بيا الدكتور سامح وقال:

“إنتي ما غلطتيش… انتي خدتي قرارات مبنية على اللي اتقال لك. الذنب ذنب اللي خدعك.”

يمكن كان صح…
لكن قلبي ماكانش بيصدق بسهولة.

ونسينا الجرح؟
لأ.
لكن بدأ يلتئم.

🧑‍⚖️ يوم المحكمة

علاء اعترف بكل حاجة عشان يهرب من محاكمة طويلة.
القاضي طلبني أتكلّم.

وقفت…
رجلي بتتهز…
بس صوتي كان خارج من نار جوايا.

قلتله:

1 2الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى