الممرضه ووالمليونير
لما الدكتور قال الجملة دي:
“فين الممرضة اللي كانت بتقرّالي؟”
حست هالة إن رجليها اتثبتوا في الأرض… كأن الزمن وقف فجأة واتجمد حواليها.
هو… بيقصدها هي؟
الراجل اللي كانوا متوقعين إنه مش هيفتح عينيه تاني…
أول كلمة نطقها كانت عنها هي؟!
صوت ممرضة جنبها هزّها:
— هالة! ده بيسأل عليكي… روحي له بسرعة!
قلبها كان بيخبط في صدرها بشكل يوجع، لدرجة إنها كانت سامعة النبض في ودانها.
إيدها كانت بترتعش وهي ماسكة طرف البلوزة…
وعينيها دمعت… مش فرح.
خوف. خوف صريح.
هي عملت إيه؟
إزاي هتواجهه؟
هو سمع؟ حس؟ حد شاف؟
هي مش قادرة تستوعب.
خطواتها كانت سريعة… وفي نفس الوقت تقيلة كأنها ماشية في ميّه.
بتقرب من باب الأوضة…
أقرب…
الباب مفتوح… الأجهزة منوّرة… الستارة متزحزحة.
ودخلت.
وشافته.
آدم منصور، راجل الأعمال اللي الدنيا كلها كانت بتتكلم عنه، كان قاعد على السرير ظهره مسنود على المخدات… شعره منكوش شوية، وعينه لسه نص نعسانة…
لكن نظرته؟
ثابتة.
مركّزة.
عليها… هي.
كأن كل اللي حواليه اختفى، وباقي بس وش واحد.
— هالة…
نطق اسمها بصوت واطي، ضعيف…
بس خارج كأنه بينطق اسم حد غالي عليه من زمان.
دموعها نزلت من غير ما تحس.
— أيوه… أنا هنا…
قالتها بصوت منخفض… خايفة تعلي صوتها فتبوّظ اللحظة.
آدم حاول يرفع إيده… مقدرش… بس مدّها شوية…
وحسّست إن الحركة الصغيرة دي أخدت منه مجهود جبّار.
قربت.
قلبها بيقع حرفيًا.
— إنتي… كنتي معايا كل يوم؟
سألها بنبرة فيها شكر… فيها راحة… وفيها حاجة شبه الحيرة.
هالة مسحت دموعها وقالت:
— كنت بقعد أقرألك… يمكن تسمعني… يمكن تحس إنك مش لوحدك.
آدم ضحك ضحكة صغيرة… ضعيفة… لكن دافية.
— أنا كنت سامع صوت… مش فاكر إيه… بس كنت حاسس إن في حد جنبي… في دفا… في هدوء…
كل ما أرجع لحتة مظلمة… الصوت ده يرجع.
دلوقتي فهمت إنه صوتك.
جسمها اتشنج.
قلبها وقع.
وكانت هتضيع من اللحظة…
لكن فجأة افتكرت.
افتكرت الحركة اللي عملتها.
الغلطة اللي هي بس تعرفها.
رجعت خطوة لورا بسرعة.
— آدم… أنا لازم أعتذر.
رفع عينه لها، مركز.
— تعتذري… على إيه؟
اتلخبطت.
كلامها اتقطع.
— أنا… أنا عملت حاجة غلط.
ابتسامة صغيرة رسمها على وشه.
— لو كنتي عملتي حاجة غلط… كنتي خيفة كده ليه؟
سكتت.
عينيها نزلت للأرض.
آدم مد إيده أكتر وقال بصوت أوضح:
— تعالي هنا.
قربت… بس جسمها بيرتعش.
مسك إيدها.
اللمسة كانت ضعيفة… لكنها هزت كيانها كله.
— هالة؟
— نعم؟
— إنتي… أنقذتيني.
الجملة كانت بسيطة…
لكن وقعتها عليها؟
زي موجة دافية غمرت روحها.
فجأة الدكتور دخل وقطع اللحظة.
— أستاذ آدم، لازم نعمل فحوصات…
آدم قال بثبات لأول مرة من ساعة ما فاق:
— بعد ما هالة تخرج… هي هتفضل.
الدكتور اتفاجئ… لكنه سابهم وخرج.
هالة قربت… ركعت جنب السرير… عينيها في عينه.
— أنا ماعملتش أكتر من واجبي.
— لأ.
هز راسه.
— لو كنتي بتعملي شغلك… ماكنتيش بتفضلي بعد الشيفت… ماكنتيش بتقرّالي… ولا تدفي إيديا… ولا كنتي بتعيّطي لما تفكّري إني مش هارجع.
اتجمدت.
— كنت بتحس؟
— مش بعقلي… بجسمي… كنت بحس براحة… براحة أتعلّقت بيها… ومكنتش عارف جاية منين…
دلوقتي عرفت.
سكت.
سكت طويل…
بس من النوع اللي مافيهوش ولا كلمة ناقصة.
… … …
بعد يومين
المستشفى كلها كانت بتتكلم عن الممرضة اللي صنعت معجزة.
الصحافة… الإدارة… رئيس الأقسام… كلهم بيدوروا عليها.
لكن هالة؟
كانت مستخبية.
مش عايزة ضوضاء.
مش عايزة شهرة.
عايزة بس تتأكد إنه بقى بخير… وإن قلبها يهدى.
ولما مرة أخروه للخروج من المستشفى…
كل الناس كانت واقفة.
إلا هي.
هربت على أوضة جانبية… حطت وشها في إيديها…
مش لأنها مش عايزة تشوفه…
لكن لأنها خايفة تضعف.
خايفة من إحساسها.
وخايفة أكتر من الحقيقة:
هي حبته.
مش النهارده…
ولا امبارح…
ده من أيام غيبوبته.
من أول كلمة قرتها له.
من أول نبضة سمعتها من الجهاز.
من أول دمعة نزلت على إيده.
كانت بتتنفس بسرعة…
إيدها بتلف شعرها بتوتر…
وفجأة…
الباب اتفتح.
آدم واقف.
مش بس واقف…
واقف بقوة غير طبيعية على واحد لسه خارج من غيبوبة.
— هالة.
قالها بصوت ثابت.
ارتجفت.
— إنت كنتي فين؟ أنا بدوّر عليكي من نص ساعة.
قالتها بصدمة:
— ليه؟
قرب خطوة.
— لإن أول حد لازم أشوفه… وأشكره… وأكمّل معاه… هو انتي.
شهقت.
— تك… تكمّل؟
— هالة… حياتي اللي رجعت لها… مش هتسوى حاجة لو انتي مش فيها.
اتجمدت.
— بس أنا… مجرد ممرضة.
ضحك.
— مجرّد؟ انتي الإنسانة الوحيدة اللي فضلت جنبي وأنا ميت… اللي صدّقت إني هارجع…
الوحيدة اللي حبّتني من غير ما تعرف أنا مين.
هالة اتكسرت من جوا.
— أنا… مقلتش…
— قلبك قال.
… وسكتت.
هزّت راسها بس.
قرب…
حضنته…
وهو قال بهدوء:
— أنا موجود… ومش هروح تاني.
… … …
بدأت مرحلة جديدة.
مش قصة خيالية.
حب بطيء… ناضج… حقيقي.
هو يتصل يسألها:
— كلتي؟
وهي تضحك.
يبعتلها عربية توصّلها الشغل.
ترفض وتقول:
— لا، لازم أعتمد على نفسي.
كان بيجي المستشفى علشان…
“يتابع علاجه”.
بس هما عارفين…
هو جاي يشوفها.
الطاقم كله كان بيتكلم…
بس آدم؟
ولا كان فارق معاه.
ماخبّهاش.
ماقللش منها.
ماسمحش لحد يجرحها.
وبقى يبعتلها رسايل بالليل:
— لسه صاحية؟
— مشتاق.
— عايز أشوفك بكرة.
وهي؟
ساكتة من بره…
مولّعة من جوه.
وبعد شهور…
في يوم أجازتها…
عربية سودا فخمة وقفت قدام بيتها البسيط.
السواق نزل:
— الأستاذ آدم طالب يشوفك.
اتلخبطت.
— دلوقتي؟
— أيوه… دلوقتي.
ركبت.
وهي مرعوبة… ومبسوطة… ومش فاهمة.
لما وصلت…
شافت قصر.
مش بيت.
قصر كأنه خارج من فيلم.
وأدام القصر…
آدم.
مش ببدلة.
بتيشيرت أسود وبنطلون بسيط.
شكله بيسرق النفس.
فتح لها الباب بإيده:
— أهلا بيكي… في مملكتك.
ضحكت بخجل.
— مملكتي؟
— لو وافقت.
— أوافق… على إيه؟
فجأة…
ركع.
ركع.
راجل بمستوى آدم منصور…
ركع قدام ممرضة بسيطة.
فتح علبة فيها خاتم ماس يلمع.
— هالة عبدالسلام… تتجوزيني؟
شهقت.
إيدها على بقها.
دموع نازلة.
صوت قلبها مسموع.
— ليه… أنا؟
— عشان انتي…
أصدق قلب…
وأصدق حب…
وإنتي اللي رجعتيلي حياتي… وأنا مش هسيبك ثانية.
وقبل ما يكمل…
— أنا موافقة.
نطقتها والدمع مالي وشها.
فرحهم كان أسطوري…
مش علشان الذهب…
علشان الحب.
الطاقم كله كان بيعيّط.
الأطباء مصدومين.
والناس كلها بتبص على هالة…
البسيطة…
الهادية…
اللي حبها صحّى ملياردير من غيبوبة.
وحياتهم؟
كانت أجمل مما تخيّلت.
هو يصحيها كل يوم ويقول:
— صباح الخير يا ملاكي.
وهي تقول:
— لسه مش مصدقة إنك فوق… وإنك معايا.
وهو يبتسم:
— لو ماكنتيش هنا… ماكنتش هاقوم أصلا.
وفي ليلة معينة…
بعد شهور من الجواز…
مسك إيديها وقال:
— عارفة… قلبي وأنا نايم… كانت بداية حياتي.
ابتسمت:
— وأنا كنت فاكرة ده هيفضل سر للأبد.
ضحك…
قرب…
بس المرة دي…
وهو صاحي…
وهو واعي…
وهو بيحبها.
نهاية…
ولا بداية؟ 😉💛

